0
صدأ الأمكنة

ككل الأشياء التي مضت و لم تمض حقا ...يتجاهل دقات الساعة و رنين أمه يتردد داخل أذنه كلما نفذ إلى عزلته ...و البيانو الذي يقبع في باحة المنزل  خير شاهد على تلاعب الزمن اللعين بأرواح شخصيات الحكاية ... كل نوتة تحمل وزن جسد ...أما السمفونيات التي عٌزِفَت فهي تلوك الفرح إلى أن يتخلص من كل بقاياه ثم تصير اللوحة شاحبة متمردة تثور في أعين كل من حدق فيها و وجد شيءا منه عالقا بها ...لم يكن ليستحق هذا الكم الهائل من المقاومة ...كان من الأفضل  أن لا يخوض المعركة أصلا حتى و إن كان متيقنا من النتائج كلها عدا الخسارة ،لكنه دخل و كف عن المقاومة في منتصف الليل، انتصارا للسعادة كما كان يقول، لكنه يعرف جيدا معنى أن يكون المرء جبانا .
   كانت متحررة جدا لا تنتظر شيءا من الآخرين ....تصنع الأشياء بأناملها الرقيقة ،كل الأشياء التي تريدها. رغم أن معظمها يتنافى مع الدين و التقاليد ، كانت   مستعدة لتواجه العالم بأكمله فقط أن تحيا دون أن تفكر كثيرا ، قد تكون مخطئة لكنها ليست متناقضة مع ذاتها على الأقل . 
تمسك خاتمها تديره حول سبابتها تنزعه و تعيده ...تكرر المشهد دون توقف .
تتذكرت حصة البيانو ، فاليوم  يومها الأول ، تحمل حقيبتها تتوجه إلى محطة الميترو التي تبعد ببضع أمتار من منزلها ...تضع سماعاتها ترفع صوت موزارت و هكذا تتمكن أخيرا من   فصل موسيقاها عن  موسيقى  العالم   ،تصعد بثبات مهول ثم تجلس بجانب رجل يقارب  العقد الخامس من عمره ... تفلت خصلاتها الحالكة من كل القيود فتسدلها على كتفيها.
..عيناها كبيرتان كالبومة التي  تؤنس الشعراء و تسجل نوبات جنونهم .
كل شيء فيها يرسم ضوء القمر و ملامح الليل.
  كان يراقب أناملها التي لم تكف أبدا عن لف الخاتم بسبابتها  و المشهد الذي يعيد نفسه بدأ يقلقه شيءا فشيءا ...حاول تجاهلها لكنه كلما أزاح عيناه عنها إلا و وجدهما تحملقان في أناملها ثانية و ثالثا و ألفا .
   نزلت أخيرا ، لا زال موزار يصد العالم لينفرد بؤذنيها
تتابع المشي  ، هو كذلك لم يتوقف عن الحياة ... تدخل أول حصة لها بعد العطلة الصيفية ،تمسح الغبار عن مفاتيحها و تحاول العزف من جديد ، هل ستتمكن من العزف حقا ؟
يداها تقودانها، فهما كفيلتان بذلك ..،و خاتمها يلمع  في هدوء . تأخد دروس السولفيج، تتمرن لبضع ساعات ثم تنصرف إلى منزلها أو تجلس في الحديقة المجاورة للمعهد تراقب الشيوخ و هم يمارسون الضجر في أيامهم المقتربة  من الأخيرة ، تنتبه من حين لآخر لأوراق الصفصاف و هي تلامس الأرض بكل عفوية و تسأل نفسها ما الغاية من عيش حياة ستقودنا إلى نفس المآل، يا ليتها تجشمت قليلا عناء  التفنن في صنع نهايات مختلفة .
تتردد كثيرا على المعهد كما أنها لا تضيع الحصص الإضافية أبدا، كانت تريد أن يصل صوتها للكون بأكمله ،أن تصل دميتها كاملة الأطراف لأطفال العالم دون استثناء رغم أنها كسرت في أول محاولة للعب .
  كان يجلس وراءها في كل الحصص ،
لا زالت تقلقه عادتها المرضية و طريقة دوران الخاتم في أصبعها ...لكنه أحبها ... دون أن يقوم بأية خطوة لكي لا يبدو مألوفا أو سخيفا ...هكذا أرادها ،  بعيدة عنه، بعيدة عن عالمه الذي لا يخلو من التناقضات، كان يعلم جيدا تصالحها مع ذاتها ...فاحترم نفسه و المسافات بينه و بينها .

إرسال تعليق

 
Top